محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

929

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الذين خرجوا من ديارهم ؟ قال أكثر المفسّرين : أراد قوما من بني إسرائيل كانوا بقرية قبل واسط يقال لها : « ذاوردان » ؛ فوقع بها الطاعون ؛ فهرب عامّة أهلها وهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا ؛ فلمّا ارتفع الطاعون رجعوا سالمين قال الذين بقوا : أصحابنا كانوا أحزم منّا لو صنع أصحابنا الذين هلكوا كما صنعوا لما هلكوا ، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجنّ كما خرجوا لنسلم كما سلموا ؛ فوقع الطاعون من قابل ؛ فهربوا حتّى نزلوا واديا أفسح يبتغون فيه السلامة ، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه موتوا ، فماتوا جميعا . هذا قول السدّي وجماعة ورواية عطاء عن ابن عبّاس ؛ وقال الكلبي ومقاتل وعكرمة والضحّاك : إنّما فرّوا من الجهاد وذلك أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد فخرجوا ، ثمّ حنثوا وكرهوا الموت ، فاعتلّوا وقالوا لملكهم : إنّ الأرض التي تأمرنا بها فيها وباء ؛ فلا نأتيها حتّى يرتفع منها الوباء ؛ فأرسل اللّه عليهم الموت ؛ فلمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ؛ فلمّا رأى ( 382 آ ) الملك ذلك منهم وهو حزقيل على قول الأكثرين قال : اللّهمّ ربّ يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم « 1 » آية في أنفسهم تدلّهم على نفاذ قدرتك ؛ فأرسل اللّه عليهم الموت ؛ فماتوا جميعا وماتت دوابّهم كموت رجل واحد ، وأتى عليهم ثمانية أيّام حتّى انتفخوا وأروحت أجسادهم ؛ فخرج إليهم الناس ؛ فعجزوا عن دفنهم ؛ فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها ؛ قاله ابن إسحاق ؛ وقال أيضا : ثمّ مرّت بهم الأزمان حتّى تفتّتت أوصالهم وصاروا عظاما نخرة ثمّ أحياهم بشفاعة حزقيل - عليه السلام - ؛ وقال وهب : تفرّقت عظامهم ونهشتها السباع والطيور ؛ فجمعها اللّه وأحياهم وتناسلوا ؛ وعلى قول السدّي والأكثرين : أنّ حزقيل - عليه السلام - مرّ بهم وكان ينظر إليهم ويتعجّب ؛ فأوحى اللّه إليه أن ناد فيهم ، فنادى فيهم : أيّتها العظام ! إنّ اللّه يأمرك أن تجتمعي وتكتسي اللحم . فاجتمعت واكتست لحما ؛ فقال : إنّ اللّه يأمرك أن تقومي . فقاموا ، قال مجاهد : قاموا فقالوا : سبحانك اللّهمّ وبحمدك لا إله إلّا أنت ؛ وقيل في حزقيل - عليه السلام - : إنّه كان ملكا ، وقال الأكثرون كان نبيّا ، وكان ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى - عليه السلام - وكان القيّم على بني إسرائيل يوشع ، ثمّ كالب

--> ( 1 ) . س : فأر .